تقرير خاص – ستيل نتورك | أكتوبر 2026

يتجه سوق الحديد والصلب في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تسجيل طلب يبلغ نحو 8.15 مليون طن من منتجات الصلب النهائية خلال عام 2026، مدعومًا باستمرار الإنفاق على المشروعات العقارية والبنية التحتية والطاقة، رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العام.

ووفقًا لتقرير تحليلي نشرته مؤسسة GMK Center المتخصصة في أسواق التعدين والصلب، فإن السوق الإماراتية نجحت في الحفاظ على مستويات مرتفعة من الطلب، مع توقعات باستقرار الاستهلاك عند نحو 8 إلى 8.1 مليون طن خلال عام 2027، بما يعكس قدرة قطاع التشييد على المحافظة على نشاطه، واستمرار تنفيذ المشروعات الاستراتيجية الكبرى.

وتبرز الإمارات باعتبارها واحدة من الأسواق المهمة لمنتجات الصلب في منطقة الشرق الأوسط، نظرًا للتنوع الكبير في مشروعاتها الإنشائية، التي تتراوح بين الأبراج السكنية والتجارية والمطارات والسكك الحديدية ومشروعات النفط والغاز.

قطاع البناء يستحوذ على 80% من استهلاك الصلب

يشكل قطاع البناء والتشييد المحرك الرئيسي للطلب على الحديد والصلب في الإمارات، إذ يستحوذ على ما يتراوح بين 75% و80% من الاستهلاك المحلي، وهو ما يمنح منتجات الصلب الطويلة، وعلى رأسها حديد التسليح والقطاعات الإنشائية، الحصة الأكبر من احتياجات السوق.

ويأتي هذا الطلب مدعومًا بالتوسع العمراني في دبي وأبوظبي، خصوصًا المشروعات السكنية متعددة الطوابق والمجمعات التجارية ومناطق التطوير الحضري الجديدة.

وتعد مناطق دبي الجنوب والخليج التجاري وقرية جميرا الدائرية من أبرز مراكز النشاط العقاري، إلى جانب مشروعات نخلة جبل علي وخور دبي، التي تتطلب كميات كبيرة من حديد التسليح والهياكل المعدنية خلال مراحل تنفيذ الأساسات والمباني والمرافق.

كما أدى تسارع وتيرة تنفيذ المشروعات الإنشائية إلى زيادة أهمية انتظام توريد الحديد إلى مواقع البناء، حيث أصبحت كفاءة سلاسل الإمداد وتوافر الكميات المطلوبة في التوقيت المناسب عاملين رئيسيين في المنافسة بين المنتجين والموردين.

ورغم استمرار النشاط الإنشائي، فقد شهدت السوق العقارية في دبي تباطؤًا نسبيًا في عدد المعاملات مقارنة بالمستويات القياسية المسجلة خلال عام 2025.

وأظهرت تقديرات بحثية مبنية على بيانات التسجيل العقاري تسجيل نحو 32.4 ألف عملية بيع سكنية خلال الربع الثالث من 2026، بانخفاض سنوي بلغ 35.8%، بينما استحوذت مبيعات العقارات قيد الإنشاء على نحو 73% من إجمالي المعاملات.

وتوضح هذه المؤشرات أن استمرار الطلب على الصلب يرتبط بحجم المشروعات القائمة ومراحل تنفيذها، وليس فقط بعدد صفقات بيع العقارات الجديدة.

مشروعات المطارات والسكك الحديدية تدعم الطلب طويل الأجل

تشكل مشروعات البنية التحتية أحد أهم مصادر الطلب المستقبلي على منتجات الصلب في الإمارات، وفي مقدمتها التوسعة الكبرى لمطار آل مكتوم الدولي في دبي.

ويُعد المشروع من أضخم استثمارات النقل الجوي في المنطقة، حيث تواصل الجهات المعنية تنفيذ مراحل التوسعة، مع خطط لإرساء عقود إضافية بقيمة 55 مليار درهم خلال عام 2026، إلى جانب عقود بقيمة 13 مليار درهم أُرسيت في وقت سابق من العام.

ومن المتوقع أن تؤدي الأعمال الإنشائية للمباني والمحطات والجسور والمرافق المرتبطة بالمطار إلى تعزيز الطلب على حديد التسليح والقطاعات الفولاذية الثقيلة والمنتجات المعدنية المتخصصة خلال السنوات المقبلة.

ويضاف إلى ذلك مشروع الخط الأزرق لمترو دبي، الذي تبلغ تكلفته 20.5 مليار درهم ويمتد لمسافة 30 كيلومترًا عبر 14 محطة، بما يتطلب أعمالًا واسعة من الخرسانة المسلحة والهياكل المعدنية.

وفي قطاع السكك الحديدية، تواصل شبكة قطارات الاتحاد دعم الطلب على المنتجات الفولاذية المستخدمة في المحطات والمنشآت اللوجستية والبنية التحتية المرتبطة بالنقل.

كما يمثل مشروع «حفيت للقطارات»، الرابط بين الإمارات وسلطنة عُمان بطول 238 كيلومترًا، أحد المشروعات الإقليمية المهمة، مع ما يتطلبه من قضبان سكك حديدية وقطاعات فولاذية وجسور ومنشآت مساندة.

وتتيح هذه المشروعات فرصًا متزايدة لمصانع الصلب المحلية والشركات المتخصصة في تصنيع الهياكل المعدنية، بالإضافة إلى الموردين الدوليين للمنتجات ذات المواصفات الفنية المتقدمة.

مشروعات النفط والغاز تعزز الطلب على الصلب المتخصص

إلى جانب الإنشاءات المدنية، تمثل استثمارات الطاقة مصدرًا مهمًا للطلب على منتجات الصلب مرتفعة القيمة المضافة، خصوصًا الأنابيب والصفائح السميكة والقطاعات الهندسية المستخدمة في المنشآت الصناعية والبحرية.

ويبرز مشروع تطوير حقلي الحيل وغشا التابع لشركة «أدنوك» باعتباره أحد المشروعات التي تحتاج إلى منتجات فولاذية ذات مواصفات خاصة، تشمل الأنابيب المقاومة للتآكل والهياكل المعدنية الثقيلة والمعدات المستخدمة في معالجة الغاز ونقله.

وتختلف طبيعة هذا الطلب عن الطلب التقليدي على حديد التسليح، إذ ترتبط منتجات الطاقة بمواصفات فنية أكثر تعقيدًا ومتطلبات تتعلق بمقاومة الضغط والتآكل والظروف التشغيلية القاسية.

وتسهم هذه الاستثمارات في تنويع هيكل استهلاك الصلب الإماراتي، وتوفير فرص للشركات المتخصصة في توريد الأنابيب والصفائح والمنتجات الهندسية المتقدمة.

الصين وعُمان تتصدران موردي الصلب للسوق الإماراتية

على صعيد التجارة الخارجية، لا تزال الواردات تلعب دورًا محوريًا في تلبية احتياجات السوق الإماراتية، خاصة من منتجات الصلب المسطح والأنابيب والدرجات المتخصصة.

ووفقًا للتقديرات الواردة في تقرير GMK Center، بلغت قيمة إمدادات الصلب من الصين إلى الإمارات نحو 3.4 مليار دولار خلال عام 2025، لتتصدر قائمة الموردين، وشملت المنتجات الرئيسية اللفائف المدرفلة على الساخن والأنابيب والقطاعات المعدنية.

وجاءت سلطنة عُمان في المرتبة الثانية بقيمة بلغت نحو 1.26 مليار دولار، مستفيدة من قربها الجغرافي وتكامل سلاسل الإمداد الإقليمية، خصوصًا في منتجات حديد التسليح ولفائف الأسلاك والمواد نصف المصنعة.

وبلغت قيمة الإمدادات الهندية نحو 680 مليون دولار، وشملت اللفائف الساخنة والباردة والمجلفنة وبعض أنواع الأنابيب، بينما بلغت الإمدادات الواردة من اليابان وكوريا الجنوبية مجتمعتين نحو 350 مليون دولار، وتركزت بصورة أكبر في المنتجات المتخصصة المستخدمة في مشروعات الطاقة والصناعات الهندسية.

كما تواصل السعودية وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي المشاركة في تلبية احتياجات السوق من منتجات الصلب المختلفة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تشمل، وفق نطاق الإحصاءات التي تناولها التقرير، مواد نصف مصنعة وبعض التدفقات التجارية المرتبطة بإعادة التصدير، وبالتالي لا تعبر جميعها عن الاستهلاك النهائي داخل الإمارات.

الإنتاج المحلي يواصل التوسع مع استمرار الاعتماد على الواردات

رغم الأهمية الكبيرة للواردات، تمتلك الإمارات قاعدة صناعية متقدمة في إنتاج حديد التسليح والقطاعات الفولاذية وبعض المنتجات الطويلة.

وتبرز مجموعة «إمستيل» (EMSTEEL) باعتبارها إحدى الشركات الرئيسية في الصناعة المحلية، حيث سجلت مبيعات من منتجات الصلب النهائية بلغت نحو 3.3 مليون طن خلال عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 16%، وفق نتائجها المالية.

كما سجلت المجموعة إيرادات بلغت 8.9 مليار درهم خلال العام نفسه، في ظل استمرار الطلب المحلي على مواد البناء والمنتجات الفولاذية.

وخلال الربع الثاني من عام 2026، بلغت مبيعات المجموعة الإجمالية من الصلب، بما يشمل المنتجات النهائية والبيليت، نحو 806 آلاف طن، بالتزامن مع مواصلة تطوير المنتجات عالية المقاومة وتحسين الكفاءة التشغيلية.

وفي المقابل، تظل منتجات الصلب المسطح من المجالات التي تعتمد فيها السوق بدرجة كبيرة على الاستيراد، ما يفتح المجال أمام استثمارات جديدة لتعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية.

وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة «إمبوسال» الإماراتية في أكتوبر 2026 خططًا لإنشاء مصنع متكامل لإنتاج لفائف الصلب المدرفلة على الساخن في رأس الخيمة، بطاقة مستهدفة تبلغ 1.2 مليون طن سنويًا، مع توقع بدء الإنتاج بحلول نهاية 2027.

ويمثل المشروع، حال تنفيذه وفق الخطة المعلنة، خطوة مهمة نحو تطوير صناعة الصلب المسطح محليًا، ودعم صناعات الأنابيب والمنتجات المعدنية التي تستخدم اللفائف الساخنة باعتبارها مادة خام رئيسية.

توقعات 2027.. استقرار عند مستويات مرتفعة

تشير توقعات GMK Center إلى أن الطلب على منتجات الصلب النهائية في الإمارات قد يستقر بين 8 و8.1 مليون طن خلال عام 2027، مقارنة بنحو 8.15 مليون طن متوقعة لعام 2026.

وتعكس هذه التقديرات استمرار السوق عند مستويات مرتفعة نسبيًا، وإن كانت تشير إلى تراجع طفيف في الكميات مقارنة بالعام السابق، بدلًا من موجة نمو متسارعة جديدة.

ومن المرجح أن يتوقف الأداء الفعلي للسوق على وتيرة تنفيذ المشروعات العقارية والبنية التحتية، واستمرار الاستثمارات في قطاع الطاقة، فضلًا عن تطورات أسعار المواد الخام وتكاليف النقل والواردات.

كما سيكون للتوسع في إنتاج المنتجات الفولاذية عالية المقاومة والصلب منخفض الانبعاثات دور متزايد في تشكيل مستقبل الصناعة، خاصة مع توجه الشركات الكبرى إلى تحسين الكفاءة وتقليل البصمة الكربونية للمنشآت والمشروعات.

وتُظهر هذه المؤشرات أن السوق الإماراتية تتجه نحو مرحلة من الاستقرار عند مستوى طلب مرتفع، مع استمرار الفرص أمام المنتجين المحليين والموردين الدوليين، ولا سيما في المنتجات المسطحة والقطاعات الثقيلة والصلب المتخصص لمشروعات البنية التحتية والطاقة.

المصادر: GMK Center – EMSTEEL – Etihad Rail – Roads and Transport Authority (Dubai) – The National – Prop971 Research – SteelRadar.