خـــاص - منصة الصلب العربية...
بقلم: المهندس حسام عبد الحليم - عضو المجلس الاستشاري بمنصة العربية للصلب (ستيل نتورك).
يعيش قطاع الصلب في الشرق الأوسط لحظة تحول كبير، مدفوعًا بمشاريع عملاقة مثل نيوم في المملكة العربية السعوديةوأهداف الاستدامة الإقليمية واستراتيجيات التنويع الصناعي. 
يتسابق المصنعون نحو التحديث، ويقف الذكاء الاصطناعي (AI) في قلب هذا التحول، معيدًا تشكيل طريقة إنتاج الصلب وصيانته وتسليمه. لم يعد الأمر مجرد تقنية إضافية، بل هو المحرك الأساسي لتحقيق كفاءات غير مسبوقة وتقليل التكاليف بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق باستهلاك الطاقة، الذي يُعدّ من أكبر التكاليف التشغيلية في هذه الصناعة الحيوية. فالمنصات الذكية الآن تُستخدم لتتبع استهلاك الطاقة بدقة عبر الأفران والمصانع، مما يسمح بتحديد فرص التوفير التي تقلل من التكاليف وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. على سبيل المثال، تستخدم الشركات المنتجة للصلب في الإمارات، الملتزمة باستراتيجية "صفر انبعاثات 2050"، الذكاء الاصطناعي لضبط استهلاك الطاقة بدقة مع الحفاظ على مستويات الإنتاجية العالية.
ويتجاوز دور الذكاء الاصطناعي مجرد توفير الطاقة ليشمل تحسين العمليات الإنتاجية برمتها، جاعلاً إياها أكثر ذكاءً ونظافة. يُستخدم الذكاء الاصطناعي الآن للسيطرة على المتغيرات في جميع مراحل الإنتاج، من الصهر والسبك إلى الدرفلة، وذلك من خلال الضبط الدقيق لدرجات الحرارة، وتدفق الغازات، والتركيب الكيميائي في الوقت الحقيقي. هذا المستوى من التحكم يسمح بتحسين الإنتاجية بشكل ملحوظ وتقليل كثافة الكربون. كمثال بدأت وحدة الصلب في سابك بدمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الاختزال المباشر (DRI) لتحقيق هذه الأهداف. علاوة على ذلك، أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في مراقبة الجودة. 
فباستخدام الرؤية الرقمية عالية السرعة والتعلم العميق، أصبحت أنظمة مراقبة الجودة الحديثة قادرة على اكتشاف العيوب غير المرئية للعين البشرية، مما يضمن منتجًا عالي الجودة بشكل مستمر. 
هذا الأمر بالغ الأهمية للصلب المخصص للمشاريع العملاقة الإقليمية وكذلك للتصدير، حيث تتطلب هذه المشاريع معايير جودة صارمة، وتطبيقات مثل اكتشاف الشقوق، وتحليل نعومة السطح، وإشارات الرفض الفورية أصبحت ممكنة بفضل هذه التقنيات.
لم يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاج والجودة فحسب، بل امتد ليشمل الصيانة التنبؤية، محولاً إياها من عملية رد فعل إلى نهج استباقي فعال. فمن خلال البيانات الآنية التي تُجمع من المستشعرات على المحركات والمضخات والاسطوانات، يمكن للمصنعين التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، مما يقلل بشكل كبير من أوقات التوقف غير المخطط لها. مثال على ذلك، خفضت 
شركة حديد الإمارات "أركان" وقت التوقف بنسبة 30% بعد اعتماد تحليلات تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي. أما على نطاق أوسع، فإن الذكاء الاصطناعي يعزز سلاسل الإمداد والطاقة في منطقة تعتمد على مسارات تجارية معقدة واستيراد مكثف للمواد الخام. فهو يوفر رؤى فورية لتحسين إدارة المخزون والمشتريات وتوقعات الطلب، مما يضمن تدفقًا سلساً للمواد ويقلل من المخاطر التشغيلية. فالذكاء الاصطناعي يساعد مصانع الصلب في الشرق الأوسط بشكل فعال في كشف العيوب في الوقت الحقيقي، والصيانة التنبؤية، والتحكم الآلي في عمليات وحدات الاختزال المباشر (DRI) وأفران القوس الكهربائي (EAF)، وتوقع الطلب في الأسواق الإقليمية، وتوفير الطاقة بما يتماشى مع أهداف "صفر انبعاثات".
إن الفرص المتاحة أمام صناعة الصلب في الشرق الأوسط هائلة، مدعومة بأهداف رؤية 2030، واستراتيجيات صفر انبعاثات، وظهور المدن الذكية، بالإضافة إلى الاستثمارات الحكومية الداعمة للذكاء الاصطناعي والقوى العاملة الشابة المتمكنة تقنيًا. ومع ذلك، هناك تحديات يجب التغلب عليها، مثل المعدات القديمة التي قد تعيق تكامل أجهزة الاستشعار الحديثة، ونقص علماء البيانات الصناعيين المتخصصين، بالإضافة إلى مخاطر الأمن السيبراني المتزايدة مع التحول الرقمي. رغم هذه التحديات، يظل المستقبل واعدًا، حيث أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل عامل الصلب، بل يعزز من قدراتهم ويجعلهم أكثر كفاءة. ومع قيادة الحكومات الإقليمية للتحول إلى "الصناعة 4.0"، أصبح تبني الذكاء الاصطناعي في صناعة الصلب أمرًا حتميًا. فمن يسارع بالتحرك اليوم لن يحسّن هامش أرباحه فحسب، بل سيعيد تعريف الجودة، والكفاءة، والتنافسية على المستوى العالمي. يمتلك منتجو الصلب في الشرق الأوسط فرصة فريدةكالتحديث بالذكاء الاصطناعي أو مواجهة خطر التراجع في عالم سريع التحول الرقمي. فمن الصيانة التنبؤية إلى الخدمات اللوجستية الذكية، لم يعد الذكاء الاصطناعي خيارًا، بل أصبح ضرورة قصوى للنمو والاستدامة. إن من يستثمر في الذكاء الاصطناعي اليوم سيبني صناعة صلب ذكية، قوية ومستدامة للغد.