يُشكل الهيدروجين الأخضر أحد أبرز رهانات الانتقال الطاقي على المستوى العالمي، حيث بات يُعتبر وقود المستقبل وحلقة أساسية في جهود خفض الانبعاثات الكربونية. وبينما تتسابق شركات دولية كبرى إلى الاستثمار في هذا القطاع وأخرى تقرر مراجعة وتقييم استثماراتها في ظل الشكوك المحيطة بالطلب على هذا الوقود، يُحاول المغرب اعتماد نهج متأنٍ والتوازن بين جذب الفرص الاستثمارية وضمان نجاح باكورة مشاريع هذا القطاع المستقبلي.
كان المغرب من ضمن بلدان المنطقة التي سارعت إلى رسم خريطة تطوير هذا القطاع، وتم تشكيل لجنة حكومية لتطوير منظومة قانونية واستقبال أولى المشاريع الاستثمارية بهدف التحول إلى مُصدّر لهذا الوقود النظيف نحو الأسواق الأوروبية.
وأثارت إمكانيات الهيدروجين الأخضر كوقود نظيف إضافة إلى مشتقاته المتنوعة الكثير من الحماس عبر العالم، لكنها أيضاً دفعت العديد إلى التساؤل حول هذا الاندفاع، بل برزت تحذيرات من أن يكون الأمر رهاناً مبكراً قد ينضم إلى قائمة فقاعات الطاقة المتجددة الطموحة التي سبقتها.


32 مليار دولار على الطاولة


رغم الشكوك والضبابية، فإن حجم المشاريع المعروضة على المغرب يكشف عن شهية المستثمرين، فقد أعلنت الحكومة في مارس الماضي عن اختيار مستثمرين محليين ودوليين سيتم فتح المفاوضات معهم لإنجاز مشاريع استثمارية لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بقيمة تبلغ 319 مليار درهم (32.6 مليار دولار)، ستكون باكورة مشاريع هذا القطاع.
ستنجز المشاريع في الجهات الجنوبية الثلاث للبلاد بهدف إنتاج الأمونيا والوقود الاصطناعي والفولاذ الأخضر. وتقود هذه المشاريع شركات عملاقة مثل "أكوا باور" السعودية، "طاقة" الإماراتية، و"توتال إنرجي" الفرنسية، إضافة إلى المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، المملوكة للدولة، التي ترى في الهيدروجين حلاً لضمان استقلالية أكبر في تصنيع الأسمدة منخفضة الكربون.
اللافت أن هذه المشاريع لا تقتصر على إنتاج الهيدروجين، بل تشمل مشتقاته وعلى رأسها الأمونيا الخضراء الموجهة لقطاع الأسمدة، والفولاذ الأخضر الذي تراهن عليه الصناعة الأوروبية.
ويعتبر مشروع "توتال" الفرنسية أبرز ملف يشهد تقدماً، حيث عقدت الشركة، التي ترأس تحالفاً يضم أيضاً شركة "شركاء كوبنهاغن للبنية التحتية" (Copenhagen Infrastructure Partners) وشركة "إيه بي مولر" (A P Moller)، الشهر الماضي اجتماعاً مع لجنة حكومية تم فيه المصادقة على نتائج الدراسات الأولية. 
بينما أعلنت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط عدة مشاريع بالشراكة مع الشركة الفرنسية "إنجي" والشركة الأسترالية "فورتيسكيو" لإنتاج الأمونيا الخضراء الموجهة لاستعمالها في تصنيع الأسمدة. 


أهداف طموحة وبنية تحتية داعمة


ولتأمين بيئة جذابة، خصصت البلاد مليون هكتار لتطوير مشاريع قطاع الهيدروجين الأخضر، وتمتد المرحلة الأولى على مساحة 300 ألف هكتار، على أن يخصص لكل مشروع قطع أرضية تتراوح بين 10 آلاف و30 ألف هكتار.
وتواكب هذه المشاريع بنية تحتية قيد التطوير تشمل تأهيل الموانئ لتخزين هذه المادة، إضافة إلى شبكة أنابيب، ومحطات تحلية مياه البحر، ومشاريع طاقة متجددة. كما تضاف إلى ذلك تحفيزات ضريبية وجمركية ودعم مالي موجه لاستقطاب المستثمرين الدوليين.
كانت المملكة أطلقت العام الماضي دراسة حول إمكانية تخزين وإمداد وتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في 4 موانئ بهدف استعماله كوقود بديل للسفن ولتقليل انبعاثات الكربون في النقل البحري وتصديره نحو السوق الأوروبية.
ويُراهن المغرب بشكل خاص على أوروبا القريبة جغرافياً. فالاتحاد الأوروبي وضع هدفاً باستيراد 10 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030، لكن لا شيء واضح حتى الآن.


لجنة حكومية لتدقيق الملفات


لتفادي الاندفاع غير المحسوب، خصصت المملكة لجنة حكومية لدراسة ملفات الاستثمارات في هذا المجال الاستراتيجي، حيث يتم التمحيص في الجوانب التقنية والتجارية والمالية لكل مشروع. هذه المقاربة تعكس رغبة الدولة في تجنب الحماس المفرط، وضمان أن تكون المشاريع المبرمجة ذات جدوى حقيقية.
وتخضع ملفات الاستثمار لعدة مراحل: أولها تلقي الملفات، ثم المفاوضات الأولية التي تتضمن دراسة الجدوى والتصميم والهندسة الأولية، وهي المرحلة التي يتم فيها توقيع عقد الحجز الابتدائي للعقار. ويلي ذلك مراحل متقدمة تشمل كلفة الإنتاج وتوقيع العقود مع المشترين قبل الوصول إلى القرار النهائي بضخ الاستثمارات والانطلاق الفعلي في التنفيذ الذي يتم تتبعه بشكل دوري.
مسؤول حكومي مغربي مطلع على تفاصيل المفاوضات مع المستثمرين قال إن "الحكومة لم تحسم بعد أي استثمار نهائي بخصوص مشاريع الهيدروجين الأخضر". مضيفاً أن "المفاوضات لا تزال في بداياتها وتخضع العروض الاستثمارية المقترحة من أكثر من مائة مستثمر محلي وأجنبي لدراسة مفصلة ومستمرة، وليس هناك تراجع عن أهداف البلاد في هذا الصدد".
يسعى المغرب للاستفادة من قدراته من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وواجهته البحرية لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر، ويستهدف تلبية أكثر من 4% من الاحتياجات العالمية، بحسب الوكالة الحكومية للطاقة المستدامة (Masen).


ضبابية الطلب العالمي


غير أن هذا الطموح يصطدم بتحدي ضبابية الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر. فقد بدأت عدة شركات عبر العالم في مراجعة حساباتها بشأن الاستثمار في هذا القطاع، من بينها شركة "مصدر" الإماراتية التي حولت بوصلتها من مشاريع الهيدروجين إلى الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع بدوره يتطلب طاقة هائلة.
قال الرئيس التنفيذي لشركة "أبوظبي لطاقة المستقبل" (مصدر) محمد جميل الرمحي، في مقابلة مع "بلومبرغ"، إن الطلب العالمي على منتجات الهيدروجين النظيف جاء أقل من التوقعات، فيما تتزايد احتياجات مراكز البيانات من الكهرباء بوتيرة متسارعة، وهو ما دفع الشركة إلى تعديل مسارها الاستثماري.
هذا القرار يعكس المعضلة التي يواجهها مطورو مشاريع اندفعوا بقوة نحو الهيدروجين الأخضر عندما كان محط آمال كبرى للاستثمار. لكن ضعف الطلب نتيجة التكاليف المرتفعة أجبر شركات عدة على الانسحاب من مشاريع قائمة، ما أثار الشكوك حول مستقبل هذه الصناعة.
الأرقام دالة في هذا الصدد، فقد قفز عدد المشاريع المُلغاة عالمياً العام الماضي بنسبة 233% ليصل إلى 20 مشروعاً بحسب بيانات "بلومبرغ"، فيما تم إلغاء 12 مشروعاً إضافياً حتى منتصف أغسطس الجاري، ما يؤشر على توسع رقعة تقييم الشركات لخططها الاستثمارية في هذا القطاع الجديد.


بين الطموح والواقعية


"الدولة تحرص على دراسة كل التفاصيل بدءاً من الدراسات الأولى وصولاً إلى العقود الأولية للبيع"، بحسب المسؤول الحكومي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله التصريح رسمياً. وأضاف لـ"الشرق" أنه "لن يتم ضخ استثمارات ما لم يتم التعاقد مع مشترين، هؤلاء قد يكونون شركات صناعية محلية، لكن الحصة الأكبر ستكون للتصدير نحو الخارج".
يظل طموح المغرب محاطاً بتحديات ترتبط بالقدرة على تقديم كلفة إنتاج تنافسية وإيجاد مشترين فعليين لهذا الوقود، سواء في الداخل عبر الصناعات المحلية أو في الخارج حيث تتشكل الأسواق الأوروبية والآسيوية. فالعنصر الحاسم لنجاح هذه المشاريع لن يكون فقط في البنية التحتية والتحفيزات، بل أيضاً في ضمان عقود بيع طويلة الأمد تعطي الثقة للمستثمرين.
المسؤول الحكومي أقر بأن "سوق الهيدروجين الأخضر لا يزال في بداياته والطلب بالكاد يتشكل، لكن هناك مؤشرات على نمو السوق، فالكل يترقب شروع المشاريع الأولى في الإنتاج". ونوه بأن "رؤية المغرب لهذا القطاع مبنية على دراسة ملفات الاستثمار على مراحل عديدة قبل الوصول إلى قرار الاستثمار النهائي الذي يليه تتبع الإنجاز وإعداد التقارير، حيث يتم عقد اجتماعات مع المستثمرين بشكل دوري".
في ظل استمرار الضبابية التي تكتنف الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر، يبقى التحدي الأكبر أمام المغرب هو المواءمة بين طموحاته الكبيرة وواقع هذه السوق التي بالكاد بدأت تتشكل أولى ملامحها لتحقيق انطلاقة قوية لصناعة الهيدروجين الأخضر.

المصـــدر: إقتصاد الشرق – بلومبرغ