ستيل نتورك تحاور القامة الهندسية المهندس أحمد عبده

في عالم الصناعات الثقيلة، حيث تُقاس الإنجازات بصلابة المنشآت ودقة الأرقام، تبرز شخصيات استثنائية لم تكتفِ ببناء المصانع، بل صاغت بذكائها مفاهيم جديدة للريادة. في إطار سلسلة من اللقاءات مع النماذج العربية المؤثرة، يسعد منصة الصلب العربية "ستيل نتورك"  أن تبحر اليوم في قصة نجاح ملهمة، بطلها المهندس أحمد عبده الذي شهد ولادة قلاع الصلب في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، نتحدث عن رحلة بدأت منذ التسعينيات، وكيف تحولت "الفوبيا" من الأحمال الثقيلة إلى قصة نجاح عالمية عابرة للقاراتأحمد عبده، الاسم الذي ارتبط بأكبر قلاع الصلب في المنطقة، والرجل الذي أثبت أن التميز العربي في الهندسة المدنية لا يقل دقة ولا ابتكاراً عن المعايير العالمية، بل ويتفوق عليها في تطويع الحلول الاقتصادية لصالح الصناعة.



المحور الأول: من السادات إلى العالمية.. رحلة الصعود

ستيل نتورك: لكل رحلة بداية، وبدايتكم كانت في فترة حرجة من تاريخ صناعة الصلب في التسعينيات. كيف استطاع المهندس أحمد عبده كسر الحواجز في صناعة الصلب ؟

أحمد عبده: البداية الحقيقية كانت في عام 1994، مع ولادة أولى المصانع الخاصة الكبرى في مدينة السادات ومجموعة "الهواري". في ذلك الوقت، كانت الهندسة المدنية المرتبطة بالصلب والرافعات(Cranes) تثير تخوف الكثيرين لصعوبة أحمالها، لكننا قررنا منذ اليوم الأول احترام أدق التفاصيل. تعلمنا من التجارب الأولى كيف نوازن بين "المبالغة التصميمية" وبين "الاحتياج الحقيقي"، ومن هنا بدأ تشكيل خبرتنا التراكمية في هذا القطاع الأستراتيجي.

ستيل نتورك: يُقال إن مشروع "عز السادات" كان بمثابة التحدي الذي وضعكم على خارطة كبار الاستشاريين، ما هي كواليس هذا المشروع؟

أحمد عبده: كان مشروع "خط 3 عز السادات" مع شركة "دانييلي" الإيطالية هو الاختبار الحقيقي. كنا كاستشاريين مدنيين مسؤولين عن تنفيذ أدق التفاصيل لربط الماكينات العملاقة بالأرض عبر أكثر من 20 ألف مسمار تثبيتAnchor Bolts الإنجاز لم يكن في العدد فحسب، بل في الدقة التي بلغت 100% دون خطأ واحد، وهو ما أذهل الجانب الإيطالي وجعلنا نشعر بالفخر بقدراتنا المهنية العربية.



المحور الثاني: هندسة القيمة.. فلسفة التميز الاقتصادي

ستيل نتورك:  تميزتم بمصطلح "هندسة القيمة"، كيف نجحتم في إقناع رجال الأعمال بأن الأمان الإنشائي لا يعني بالضرورة زيادة التكاليف؟

أحمد عبده: الفلسفة التي نتبناها تقوم على أن الاستشاري الناجح هو من يحمي الأستثمارات تماماً كما يحمي الأرواح. الأستشاريين التقلديين قد يبالغو في الأحمال للهروب من المسؤولية، لكننا بفضل خبرتنا العميقة، استطعنا تخفيض ميزانيات بعض المشاريع بنسبة تصل إلى 60% مع ضمان كامل للأمان المعتمد. هذه المعادلة هي التي فتحت لنا أبواب العمل في السعودية عام 2011، ومن بعدها دول مثل غانا والكاميرون.

ستيل نتورك: العالم يتحدث اليوم عن "الصلب الأخضر"، ما هي رؤيتك من هذا التحول؟

أحمد عبده:الصلب الأخضر هو توجه دولي قادم ولا مفر منه، وكما تحولنا سابقاً لمعايير تقنية مثل(B500) وأصبحت واقعاً، فإن الصلب الأخضر سيكون المعيار الأساسي قريباً. نحن نستعد فنياً لهذا التحول لنكون دائماً في طليعة المكاتب الاستشارية التي تقدم حلولاً مستدامة وصديقة للبيئة.



المحور الثالث: الريادة العابرة للحدود .. فلسفة الاستثمار الجريء في الأسواق الواعدة.

ستيل نتورك: بصمتكم تجاوزت الحدود المصرية لتصل إلى دول عديدة، أين استقرت بوصلة بصماتكم ؟

أحمد عبده:مسيرتنا الدولية بدأت منذ أكثر من 20 عاماً، ففي قطر نفذنا أكثر من 5 مشروعات كبرى منها "الوطنية للقطاعات" و"القطرية للهندسة"، وفي السعودية، نفذنا في جدة مشروعات عملاقة مثل "تعمير ستيل" على مساحة 120 ألف متر وبطاقة 400 ألف طن، وحالياً لدينا في الرياض أكثر من 10 مشروعات قائمة مع كيانات مثل "أركان" و"المتولي" وغيرها. كما امتدت أعمالنا لتشمل غانا والكاميرون بمجمعات صلب متكاملة، ولدينا مشروعات حالية قيد التنفيذ في سوريا ولبنان ووسط أفريقيا.

ستيل نتورك: بصفتكم خبيراً يرى الفرص من منظور استراتيجي، ما هي نصيحتكم لرجال الأعمال والمستثمرين العرب في الوقت الحالي؟

 أحمد عبده: أرى أن هناك "إهمالاً" غير مبرر للسوق الأفريقي، خاصة وسط أفريقيا، فهناك دول كاملة لا تمتلك مصنع حديد واحد، كما أن سوريا والعراق تمثلان فرصاً استثمارية هائلة. وأقولها بكل أمانة، الإخوة اللبنانيون يسبقون الجميع في اقتناص هذه الفرص بجرأة يحسدون عليها، وأتمنى من المستثمر المصري أن يخرج من "النمط التقليدي" ويتوجه لهذه الأسواق الواعدة بجرأة أكبر.



المحور الرابع: من عمالقة التميز إلى قادة المستقبل .. خبرة يتوارثها الأجيال

ستيل نتورك: بالحديث عن النماذج التي شكلت وجدان صناعة الصلب في المنطقة، من هم الأشخاص المؤثرين الذين تعتبرهم  أصحاب بصمات حقيقية؟

أحمد عبده:لا يمكن الحديث عن التميز دون ذكر نموذج المهندس "أحمد عز"، تلك الشخصية الاستثنائية التي تخطت الحدود لتصبح المعادلة المؤثرة في صناعة الصلب العالمية. لقد بدأ في سن الخامسة والثلاثين، ومنذ اللحظة الأولى، اتخذ خطوات مدروسة وغير مسبوقة في هيكلة وتطوير هذه الصناعة الاستراتيجية.

إن مؤسسته اليوم ليست مجرد صرح للبناء والتعمير أو شريكاً أساسياً في المشاريع القومية العملاقة فحسب، بل هي تجسيد للفكر المصري الرائد الذي فرض نفسه بقوة في المحافل الدولية، فهي تعمل ببصمات مصرية خالصة، ورؤية هندسية سبّاقة استطاعت أن تضع اسم مصر على خريطة الصناعة العالمية كقوة مؤثرة.

وكذلك، لا بد أن نتوقف عند التجربة الملهمة للمهندس "حسن المراكبي" فهو نموذج للقائد الشاب الذي لا يتوقف عن التطوير المستمر. لقد استطاع المراكبي عبر خطوات صناعية مدروسة وبصمات فنية واضحة أن ينقل مجموعته إلى مصاف العالمية، ليس فقط عبر ضخ الاستثمارات، بل من خلال اقتحام الأسواق الدولية بمنتجات مصرية فرضت جودتها وقوتها في الأسواق العالمية. حسن المراكبي أثبت أن المهندس المصري حين يمتلك الرؤية والإصرار، يمكنه تحويل المنتج المحلي إلى علامة تجارية تُطلب بالاسم عالمياً.

أما اليوم، فأنا متفائل جداً بمدارس شبابية صاعدة تمتلك الشغف والعلم وفكراً متطوراً. هؤلاء الشباب لديهم فرصة ذهبية، فالتطور التقني الملحوظ حالياً يساعدهم على تحقيق رؤيتهم وتنفيذ أعقد المشروعات بشكل أفضل وأسرع مما أتيح للأجيال السابقة، وهم بالفعل يمثلون مستقبل الواعد."



المحور الخامس: نقل الخبرة وصناعة الأثر

ستيل نتورك:  أنتم اليوم قدوة لجيل كامل من المهندسين الشباب، ما هي "الوصفة السحرية" التي تنقلونها لهم لمواجهة تحديات المستقبل؟

أحمد عبده: نصيحتي الدائمة هي "الجرأة المبنية على العلم". نحن اليوم نصنع جيلاً لا يخشى التعامل مع أعقد القواعد الميكانيكية، بل ولدينا في فريقنا شباباً استطاعوا وضع بصمات مع كبرى الشركات العالمية بكل ثقة، يسعدني أن أرى دماءً جديدة، ومنهم المهندس مصطفى أحمد عبده وفريق عملي الذي أعتز به، يحملون الراية ويطورون ما بدأناه.

ستيل نتورك:  كيف ترون مستقبل الاستشارات الهندسية المتكاملة في منطقتنا؟

أحمد عبده: المستقبل لمن يقدم "الحل الشامل". لقد انتقلنا مؤخراً لتطبيق مفهوم الهندسة المتكاملة، حيث نصمم المصنع بالكامل (مدني، ستيل، ميكانيكا، كهرباء) من الصفر حتى التشغيل. هذه الخطوة كانت حلماً يراودنا منذ سنوات، والآن أصبحت واقعاً نقدمه لخدمة الصناعة العربية.



فى نهاية اللقاء وجه المهندس أحمد عبده كلمة لمنصة الصلب العربية "ستيل نتورك" ودورها الأعلامي المتخصص في قطاع الصلب"أثمن دور ستيل نتورك في تسليط الضوء على أعماق قطاع الصلب والغوص في أدق التفاصيل ومشاركة المعرفة هي الوقود الحقيقي لنهضة صناعية عربية شاملة، ونحن فخورون بأن نكون جزءاً من هذا الحراك الهادف".