خـــاص - منصة الصلب العربية



المؤتمر السعودي الثالث للحديد والصلب، الرياض



المتحدث المهندس مطر بن عواض الحارثي



نائب الرئيس التنفيذي لقطاع المعادن بالمركز الوطني للتنمية الصناعية


في جلسة حوارية حملت من الوضوح بقدر ما حملت من الصراحة، كشف المهندس مطر بن عواض الحارثي، خلال مشاركته في المؤتمر السعودي الثالث للحديد والصلب، عن التحولات العميقة التي شهدها هذا القطاع الحيوي في السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن قطاع الحديد لم يكن فقط بحاجة إلى تحسينات شكلية، بل إلى "إعادة صياغة" هيكلية شاملة تتناسب مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

الحارثي لم يتردد في وصف واقع القطاع قبل عام 2019 بـ"المضطرب"، إذ كانت المؤشرات تشير إلى خسائر متراكمة ، وتراجع في معدلات استغلال الطاقة الإنتاجية، واعتماد يكاد يكون كاملاً على المنتجات منخفضة القيمة المضافة بنسبة 79% من حجم الطاقات المحلية. ومع تزايد الواردات، واتساع الفجوة بين العرض والطلب، وغياب المنتجات المتقدمة مثل الصلب المسطح والمنتجات الطويلة المتخصصة، بدا واضحًا أن القطاع في طريقه لفقدان قدرته التنافسية داخليًا وخارجيًا.

لكن ما ميّز تلك المرحلة، كما أشار المتحدث، هو القرار الجريء الذي اتُخذ بتحويل المطالب المتفرقة للشركات إلى خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع، تستند إلى بيانات دقيقة ودراسات عميقة، وليس إلى ردود فعل آنية. وبهذا التوجه، بدأت ملامح استراتيجية وطنية تتشكل، تركز على تعزيز التكامل الصناعي، ورفع كفاءة التشغيل، وتوسيع سلة المنتجات، وتحقيق عدالة المنافسة، مع ضمان أمن سلاسل الإمداد.

واحدة من أبرز ثمار هذه الرؤية كانت استقلال شركة "حديد" عن شركة سابك، في خطوة وصفها الحارثي بأنها "حجر الزاوية" للخطة، إذ باتت الشركة مهيأة اليوم لأن تتحول إلى كيان وطني قادر على التوسع والدخول في مجالات إنتاجية أكثر تعقيدًا وذات مردود اقتصادي أعلى،.

التحول لم يكن تنظيميًا فقط، بل شمل المشهد الاستثماري ككل، حيث تم جذب استثمارات صناعية تتجاوز 30 مليار ريال، وتأسيس شراكات استراتيجية كبرى، أبرزها شركة "باب الخير" بين أرامكو وشركة باوستيل الصينية وصندوق الاستثمارات العامة، لإنتاج الصفائح الثقيلة المستخدمة في صناعة السفن والطاقة. كما شملت الخطة توحيد شركات الأنابيب غير الملحومة لرفع الكفاءة التشغيلية، وإعادة تشغيل شركات كبرى توقفت عن الإنتاج، بعد معالجة المسببات الأساسية لتعثرها.

في سياق الحديث عن السوق، أشار الحارثي إلى تحول لافت في ديناميكيات الطلب. ففي الوقت الذي كانت التوقعات تشير إلى أن الطلب المحلي على الصلب في عام 2024 لن يتجاوز 12.4 مليون طن، أثبت الواقع خلاف ذلك تمامًا، إذ بلغ الطلب الفعلي 16.2 مليون طن، بزيادة تتجاوز 30% عن التقديرات الأصلية. هذا النمو غير المتوقع، بحسب الحارثي، لم يكن مدفوعًا فقط بالمشاريع الحكومية، بل كان نتيجة طبيعية لتحول هيكلي في الاقتصاد السعودي، حيث باتت الصناعات غير النفطية تلعب دورًا أكبر في تحفيز النمو.

اللافت في التحليل الذي قدمه المتحدث أن العلاقة التقليدية بين أسعار النفط واستهلاك الحديد بدأت تتفكك، وهو ما يشير إلى نمو اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على العوامل التقليدية. فزيادة الطلب على المسطحات، وتنوع المنتجات المستوردة، يعكس تنامي قطاعات جديدة مثل صناعة السيارات، والطاقة المتجددة، ومشاريع البناء الذكي، التي تحتاج إلى منتجات معدنية أكثر تعقيدًا وتخصصًا.

لكن رغم هذا الزخم، لم يخفِ الحارثي استمرار عدد من التحديات، من بينها ضعف توفر الخردة وارتفاع تكاليفها، وخصوصًا مع ازدياد اعتماد المصانع الصغيرة عليها، والتي باتت تستهلك قرابة 60% من إجمالي الطلب المحلي على الخردة. كما أشار إلى استمرار الفجوات في تأهيل الكوادر الوطنية، وعدم كفاءة بعض خطوط الإنتاج، إلى جانب تحديات أخرى تتعلق بتسارع الواردات، والتي وصلت في عام 2024 إلى نحو 6 ملايين طن من منتجات متنوعة، بعضها يدخل السوق المحلي للمرة الأولى،

وعند سؤاله عن النظرة المستقبلية، أوضح الحارثي أن التوقعات تم تعديلها للأعلى بشكل ملحوظ، حيث يُنتظر أن يرتفع الطلب المحلي على الصلب إلى 24 مليون طن بحلول عام 2035، مقابل التقديرات السابقة التي لم تتجاوز 17 مليونًا. ويُعزى هذا التعديل إلى التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وزيادة استثمارات القطاع الصناعي، إلى جانب مشاريع وطنية عملاقة والمشاريع المتعلقة بملف استضافة معرض اكسبو و كأس العالم.

أبرز ما في هذه النظرة المستقبلية هو التحول من مجرد "تحقيق الاكتفاء" إلى "تحقيق الريادة"، إذ لم يعد الهدف هو تلبية الطلب فقط، بل تطوير صناعات تحويلية جديدة قائمة على منتجات ذات قيمة مضافة عالية. وقد بدأ العمل على مشاريع متقدمة لتحقيق هذا الهدف، منها مشروع متكامل لإنتاج مسطحات الصلب بطاقة تفوق 4 ملايين طن، ومشروع خاص بالمقاطع الثقيلة وحديد سكك القاطرات، ومشروع الانتاح المنتجات الحديدية الطويلة عالية الأداء، إلى جانب مشروع استراتيجي لتكوير خام الحديد، لتعزيز أمن الإمدادات.

كما أشار الى ضرورة تعجيل العمل على انشاء شركة وطنية لاستيراد الخردة لمقابلة الطلب المتزايد من المواد الخام نتيجة التوسع في الإنتاج وقلة الخردة في السوق السعودي وارتفاع تكاليفها وانخفاض جودتها. وانشاء أكاديمية للحديد لتأهيل الكوادر الوطنية وتلبية الطلب على الكفاءات المحلية في المشاريع الاستثمارية الجديدة.

ورغم ما تحقق، شدد الحارثي على أن أي تباطؤ في تنفيذ المستهدفات، أو أي تراجع في تنفيذ مستهدفات الخطة الوطنية، قد يعيد القطاع إلى حالة من التشوه يصعب علاجها لاحقًا، ليس فقط من حيث الكلفة الاقتصادية، بل من حيث فقدان الفرص الاستثمارية الواعدة.

في ختام الجلسة، عبّر المهندس مطر الحارثي عن أمله في أن تصبح صناعة الحديد والصلب في المملكة نموذجًا يُحتذى به عالميًا، ليس فقط في الاكتفاء الذاتي ، بل في جودة التشغيل، ونسب التوطين، والالتزام البيئي، والقدرة على الابتكار. رسالة واضحة بأن المملكة لا تكتفي بالمنافسة، بل تسعى للريادة