مقال تحليلي | أليساندرو سكياماريلي، مدير تحليل السوق والدراسات الاقتصادية (EUROFER)

أظهر سوق الصلب الأوروبي أولى بوادر التعافي الملموسة خلال عام 2025، وذلك بعد مروره بسنوات عدة من التحديات الصعبة. فقد سجل الاستهلاك الظاهري للصلب نمواً بنسبة 4.4%، ليبلغ 134 مليون طن، وذلك في أعقاب ثلاثة تراجعات سنوية متتالية. ورغم هذا التحسن، لا يزال هذا الرقم يقل بنحو 10 ملايين طن عن المستويات المسجلة في عام 2019. وفي حين أن هذه المؤشرات قد توحي بأن ظروف السوق بدأت تستقر أخيراً، إلا أن خلف هذه الأرقام المشجعة تكمن حقيقة اقتصادية أكثر إثارة للقلق.

فبينما استهلك الاتحاد الأوروبي كميات أكبر من الصلب خلال عام 2025، فإنه في المقابل أنتج كميات أقل بكثير. ويُعزى هذا التناقض إلى عاملين رئيسيين؛ أولاً، كان هذا الارتفاع في الاستهلاك في الغالب مجرد "ارتداد فني" عن أحجام الاستهلاك المتدنية للغاية التي شهدها السوق خلال العامين السابقين، وليس تعافياً حقيقياً مدفوعاً بنمو قوي ومستدام في الطلب. وثانياً:

"تراجع إنتاج الاتحاد الأوروبي من الصلب الخام بنسبة إضافية بلغت 2.9%، ليصل إلى 125.8 مليون طن، وهو أدنى مستوى للإنتاج يتم تسجيله على الإطلاق."

وبحساب الأرقام، كان هذا الإنتاج أقل بنحو 20 مليون طن مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة، وأقل بقرابة 60 مليون طن مما كان عليه الوضع قبل الأزمة المالية العالمية في عام 2008. هذا التباين الحاد بين تحسن مستويات الاستهلاك وتراجع حجم الإنتاج يكشف بوضوح عن أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه صناعة الصلب الأوروبية في الوقت الراهن؛ حيث تدفقت عوائد وفوائد تعافي السوق بشكل متزايد لصالح المنتجات المستوردة، بدلاً من أن تدعم المنتجين المحليين.

تجلى ذلك في القفزة الكبيرة لواردات منتجات الصلب نصف المصنعة والنهائية، والتي ارتفعت بنسبة 14% في عام 2025 لتلامس سقف الـ 40 مليون طن. ونتيجة لذلك، استحوذ الصلب المستورد على حصة قياسية غير مسبوقة بلغت 30% من إجمالي السوق الأوروبية، ارتفاعاً من 27% في العام الذي سبقه. ومما زاد الطين بلة، أن وتيرة نمو الواردات تسارعت بشكل حاد خلال النصف الثاني من العام، لتتوج بزيادة هائلة وغير مسبوقة بلغت 53% خلال الربع الرابع وحده.

وتبعاً لذلك، تجاوز حجم استهلاك الاتحاد الأوروبي للصلب حجم ما ينتجه، بالتزامن مع اتساع العجز التجاري للاتحاد في منتجات الصلب بشكل ملحوظ، ليصل إلى 24 مليون طن لجميع المنتجات، و15 مليون طن للمنتجات النهائية.

تسلط هذه الأرقام الضوء على حجم الضغوط المتزايدة التي تُثقل كاهل صانعي الصلب في أوروبا. فوفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، لا تزال الطاقة الإنتاجية الفائضة العالمية للصلب تتجاوز عتبة الـ 700 مليون طن. ويتزامن هذا الضغط الخارجي مع مواجهة المنتجين الأوروبيين لتحديات داخلية قاسية تتمثل في التكاليف المرتفعة والمستمرة للطاقة، وضعف الطلب الصناعي المحلي، والمنافسة الدولية الشرسة.

ورغم هذه الصورة القاتمة، أظهرت ظروف الطلب بعض الإشارات الإيجابية. فبعد عامين من التراجع، شهد الطلب من القطاعات الرئيسية المستهلكة للصلب استقراراً عاماً. فقد واصل قطاع البناء والتشييد – الذي يُعد أكبر مستهلك للصلب في أوروبا بحصة تمثل 37% من الإجمالي – توسعه المتواضع بنسبة (+1.3%). ومن المتوقع أن يظل هذا القطاع ركيزة أساسية لدعم الطلب خلال السنوات القادمة (بنمو متوقع يبلغ +1.5% في 2026، يليه نمو بنسبة 2.9% في 2027)، وذلك على الرغم من حالة عدم اليقين النابعة من الاحتمالات المرجحة لارتفاع أسعار الفائدة في حال تم اللجوء إلى سياسات التشديد النقدي.

على الجانب الآخر، لا تزال قطاعات أخرى ترزح تحت وطأة الضغوط. فقد استمر إنتاج السيارات في تشكيل عبء على الطلب على الصلب خلال عام 2025، مسجلاً انكماشاً سنوياً للعام الثالث على التوالي بنسبة (-4.3%). ولا يُتوقع أن يعود هذا القطاع إلى تسجيل نمو ملموس أو مؤثر إلا اعتباراً من عام 2027 وما بعده (بنسبة +2.9%)، ورغم ذلك، ستظل أحجام الإنتاج تدور في فلك مستويات أقل بكثير مما كانت عليه قبل الجائحة.

وبالنظر إلى المستقبل، لا تزال الآفاق الاقتصادية هشة وتكتنفها الضبابية. ونظراً لأن جزءاً كبيراً من التعافي المتوقع قد تم استيعابه بالفعل خلال عام 2025، فمن المتوقع أن يظل الاستهلاك الظاهري للصلب مستقراً بشكل عام خلال عام 2026، مع نمو طفيف لا يتجاوز 0.4%. ورغم التوقعات بأن يكتسب نمو الاستهلاك زخماً أكبر في عام 2027 (+2.2%)، إلا أن هذا المسار يظل مرهوناً بشكل كبير بالتطورات في البيئة الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع، والتي لا تزال عصية على التنبؤ الدقيق.

إن الدروس المستفادة من تجربة عام 2025 تبرز قضية مصيرية لمستقبل الصناعة الأوروبية: إن تعافي الطلب بمفرده ليس كافياً بتاتاً، خاصة إذا كانت الأحجام المتزايدة من هذا الطلب تُلبَّى عبر زيادة الواردات بدلاً من الاعتماد على الإنتاج الأوروبي المحلي. التجربة ترسل إشارة لا لبس فيها: الطلب بدأ يتماثل للشفاء، لكن الإنتاج لا يزال يتراجع.

"إن التحدي الأكبر خلال السنوات القادمة سيكمن في ضمان أن أي نمو مستقبلي في استهلاك الصلب يوجه لدعم وتعزيز الإنتاج الأوروبي، بدلاً من تعميق فجوة الاعتماد على الواردات."

في النهاية، ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سينجح في تحقيق هذه المعادلة الصعبة أم لا، سيكون هو المؤشر الرئيسي والفيصل الحقيقي لقياس مدى صحة وتنافسية اقتصاده الصناعي على الساحة العالمية.