بقلم المهندس/ عادل شوكت
عضو المجلس الاستشاري في منصة الصلب العربية - ستيل نتورك
مدير تصدير منطقة الشرق الأوسط لشركة سويباش التركية
تقلبات متلاحقة بين الانهيار والتعافي
ما أشبه الليلة بالبارحة، وكما جرت العادة على أن يكون الشرق الأوسط حاضراً في جميع الأحداث العالمية، فقد شهدت الحالة الاقتصادية وقطاع الصلب في منطقة الشرق الأوسط تقلبات متلاحقة خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تدرجت من الانهيار إلى التعافي مراراً وتكراراً وصولاً إلى الوضع الحالي.
فبعد الانكماش الحاد الذي سجل أدنى مستوياته في عام 2020 جراء أزمة فيروس كورونا، لم تكد الأسواق تلتقط أنفاسها لتبدأ دورة تعافٍ قوي في عام 2021 بارتفاع ملحوظ في استهلاك الصلب والمشروعات القومية والخاصة، حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 لتلقي بظلالها الكثيفة على سلاسل التوريد العالمية، وتؤثر بشدة على المنطقة العربية وتزيد من معدلات التضخم العالمية.
الواقع الاقتصادي المزدوج وتحديات النمو
خلقت الحرب الروسية الأوكرانية واقعاً اقتصادياً مزدوجاً، فمن جهة، اتخذ النمو طابعاً مدفوعاً بقطاع الطاقة، حيث استفادت الدول العربية المصدرة للنفط من القفزة الكبيرة في الأسعار لتعزيز اقتصاداتها والانفتاح على المشروعات القومية العملاقة، ومن جهة أخرى، بدأت تطفو على السطح أوجاع الدول المستوردة للنفط نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد والضغوط التضخمية. ورغم تلك التحديات، وكما اعتاد قطاع الصلب التأقلم مع الأوضاع القاسية، فقد تمكن القطاع من مواصلة الاستقرار والنمو في عام 2023، مدفوعاً بقاطرة المشاريع القومية الكبرى.
وقد ظهر ذلك بوضوح في المشروعات القومية العملاقة في مصر والتي لعبت دورًا مؤثرًا ومحوريًا في تحريك القطاع عبر مشاريع التنمية العمرانية وتطوير البنية التحتية بشكل غير مسبوق. وتزامن ذلك مع استمرار زخم "رؤية 2030" في السعودية، وبالتوازي مع المشاريع التنموية المستمرة في الجزائر.
وقد توج هذا الزخم بأداء إيجابي قوي في عام 2024، بعدما حقق إنتاج الصلب العربي نمواً بنسبة 8.5% ليصل إلى 38.4 مليون طن. وفي عام 2025، حيث تُرجمت الآمال إلى أرقام حقيقية وواقعية، تصاعد الطلب على الصلب في الشرق الأوسط بنمو إيجابي بلغ 3.7% مدعوماً بانتعاش اقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سجل نحو 4.0%، ونمو عالمي استقر عند 2.9%.
صدمة الصراعات وتراجع التوقعات
وبطبيعة الحال، أسسنا توقعاتنا لعام 2026 على استمرار هذا النمط التصاعدي. لكن كالعادة، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فاشتعل فتيل الحرب بين ليلة وضحاها، وسرعان ما انتقلت الأزمة والاضطرابات الهائلة في أسواق السلع، بالإضافة إلى الشلل شبه التام للشحن عبر مضيق هرمز، لقلب موازين الطاقة العالمية، لنواجه واقعاً جديداً تماماً لم نشاهد مثيله من قبل ولا نعرف كيفية التكيف معه كالعادة.
ومع تصارع الأحداث، يعيد البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026، لينكمش إلى مستوى متشائم يبلغ 2.5% فقط، بينما تلقت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الضربة الأقوى بتخفيض سقف نموها بشدة إلى 1.6% بانخفاض مؤلم بلغ 2.7 نقطة مئوية كاملة. أما الدول المصدرة للنفط، فقد تكتفي بتحقيق نمو موجب على أقصى تقدير، في حين ظهر الأمر على أرض الواقع مع انكماش منطقة الخليج في الربع الثاني.
والآن نحن نقف أمام تداعيات تعصر قطاع الصلب وتخنق الشرايين الاقتصادية والتجارية للمنطقة، ولا نملك سوى مراقبة الأحداث ومحاولة التكيف معها.
حمى الحمائية وإغلاق الأسواق العالمية
ولا تكتفي منطقة الشرق الأوسط بالتكيف فقط مع أحداث الحرب المتصاعدة، بل إننا نشاهد الآن الستار يُسدل على مسرحية العولمة الجميلة، لتتحول التجارة العالمية وصناعة الصلب إلى ساحة تتسم بالانغلاق يعاني منها الجميع.
فقد بدأت فصول هذه الدراما منذ نحو عام ونصف، حين قررت الإدارة الأمريكية الجديدة قلب الأوضاع إلى حمائية دولية مفرطة بفرض رسوم جمركية تجاوزت الـ 50% على واردات الصلب، لتتساقط مكعبات الدومينو في أرجاء العالم، ومنه منطقة الشرق الأوسط بالطبع، وتشتعل حمى التحصن خلف متاريس دفاعية مماثلة. ففي أوروبا، تحولت سياسات الحصص التي محت 47% من الواردات، كما ارتفع تجاوز الحصص إلى 50% بالإضافة إلى علاوات الكربون.
وبينما كان العالم يتابع تأثير الدومينو، استيقظ فجأة على كابوس أن التصدير بات مهمة شبه مستحيلة، فكما أغلقت أبوابك فالأبواب الخارجية أوصدت هي الأخرى بأقفال الحمائية المتبادلة.
تداعيات الحصار التجاري إقليمياً
المغرب وجه ضربة قاصمة بفرض رسوم إغراق نهائية وصلت إلى 84.39% على بعض واردات مصر والإمارات. وكذلك الجزائر أحكمت الإغلاق تماماً لتأمين منتجيها، مما أدى إلى انحسار حصة المستورد من استهلاك الصلب من 35% في عام 2021 إلى 16% فقط بحلول 2025.
وبطبيعة الحال، قامت مصر، وهي المصنع الأكبر في الشرق الأوسط، بالتعامل مع الأوضاع الجارية بحماية الصناعة الوطنية، فقد قامت بحماية شاملة تُوجت في أبريل 2026 بفرض رسوم حماية نهائية على كافة المسطحات (CRC, HRC, PPG, HDG)، لتنضم إلى الحصار المفروض مسبقًا على خامات البليت، حديد التسليح، والأسلاك.
هذا الحصار التجاري الخانق أجبر المصانع العربية - التي كانت تخطط يوماً لغزو العالم - على إعادة حساباتها، فقد أغلقت الأسواق الخارجية أبوابها، وعليها التعامل الآن مع أسواقها المحلية فقط، وهي أسواق تصارع من أجل التأقلم أصلاً مع أوضاع الحرب وتراجع النمو الاقتصادي العالمي.
أزمة الشحن وتكاليف الإنتاج
لم تكتفِ الحرب بالضغط على معدلات النمو فقط، فمع إعلان دول الخليج أن القوة القاهرة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، قفزت أسعار وقود السفن بنسبة 93% في أقل من 45 يومًا، فارتفعت تكاليف الشحن والتأمين، وبطبيعة الحال، لم تسلم أسعار الطاقة من الأمر، كما ضغط ارتفاع أسعار النفط على اقتصاديات الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط.
في الأوضاع الطبيعية، تترجم هذه التكاليف إلى زيادة مباشرة في أسعار البيع، لكن الواقع هنا يفرض كلمته، فالعالم يعاني من ضعف الطلب، ومن تداعيات الحرب، والظروف الجيوسياسية المعقدة، وتراجع معدلات النمو العالمي، مما خلق جداراً يمنع المصانع من تمرير هذه الزيادات الهائلة للمستهلك النهائي.
وأمام هذا الوضع الغريب، أصبح تمرير الزيادة صعباً، بل على العكس، يكافح المصنع والتاجر والقطاع بأكمله لتخفيض التكاليف وخفض الأسعار أو ثباتها على أقصى تقدير، ومعالجة الأمر بتخفيض الطاقات الإنتاجية.
التساؤلات المفتوحة نحو المستقبل
إننا نشهد اليوم وضعاً اقتصادياً متشابكاً ومعقداً للغاية؛ فالأسواق الداخلية تعاني من ضعف النمو، والأبواب الخارجية صارت مؤصدة، وأسعار الطاقة مرتفعة في ظل مشاكل جيوسياسية معقدة. وأمام هذا المشهد تبرز عدة تساؤلات:
-
كيف ستكون الأوضاع إذا استمر هذا الصراع أكثر من ذلك؟
-
هل سنستطيع التأقلم كما حدث مع الحرب الروسية الأوكرانية؟
-
هل سيفتح العالم أبوابه الخارجية للتجارة مجدداً؟
-
هل ستبدأ دورة تعافٍ قوي في عام 2027 كما حدث في 2021؟